شكيب أرسلان

84

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

وأنفق ما جمعت بأرض جمع * وأسلو بالحطيم عن الحطام فلها ثلاثة أسماء . وقبلها بنحو الميل وادي محسّر ، ومضت السّنّة بالهرولة فيه ، وهو حدّ بين مزدلفة ومنى ، لأنّه معترض بينهما . ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين ، وحوله مصانع وصهاريج كانت للماء في زمان زبيدة رحمها اللّه . أقول : هذه الخمسة الأميال من عرفات إلى منى أخذت معنا أكثر من خمس ساعات من بعد المغرب إلى نصف الليل ، على أننا كنا في سيارة ، وهذا مع سعة الطريق ، الذي هو أحيانا سهل أفيح ، ولا عجب فإنّ نحوا من مئتي ألف نسمة كانوا مفيضين ذلك المساء في وقت واحد من عرفات إلى مزدلفة ، فمنها قطر الجمال بالألوف لا بالمئات ، وعليها الهوادج يخيّل لرائيها من كثرتها وارتفاعها وحركة الأباعر من تحتها أنّ هناك مدينة سائرة على متون الأيانق ، وهناك الركبان والفرسان ، والمشاة على الأقدام ، وبالاختصار محشر من الخلائق ، وقد يبلغ الحاجّ في بعض الأعوام ثلاثمئة ألف ، وأربعمئة ألف ، وجميعهم لا بدّ لهم من الإفاضة في وقت واحد . وقد يتأخّر حجّاج الشيعة ليلة أخرى إن لم تثبت عندهم هم رؤية الهلال ، وبعضهم يرى أنّه يسعهم ما وسع أهلّ السنة ، وعندي أنّ الأولى ترك النّاس وحريتهم في أمور كهذه ، إذ ليس في ذلك مخالفة للشرع ، وإنما هو مجرّد اجتهاد لا غير « 1 » .

--> ( 1 ) أما تركهم وشأنهم فذلك ما جرت ولا تزال تجري عليه الحكومات من أهل السنة - وأما هدي أئمة السلف ، وهو اللائق بالوحدة الإسلامية ، فهو عدم الخلاف ، واجتناب التفرّق في الشعائر الإسلامية العامة ، وذلك بأن يترك أمر إثبات أوّل ذي الحجة إلى حكومة الحجاز ، ولا يحاول الشيعة إثبات ذلك فيها بشهادة من يشهد منهم برؤية الهلال في حال إمكان الرؤية الخ . وإنما كان يعمل كل أحد باجتهاده الشخصي في المسائل الشخصية ، وحكم -